لما كان المترجم ناقلاً للمعرفة وجسراً يربط بين اللغات والحضارات، بات أحوج من غيره إلى أن يأخذ بكل ما يجوِّد صنعته ويرقى بمعارفه وحرفته من معايير المهنية والالتزام.
كيف يحفظ المترجم حقوقه؟
ليست هناك إجابة شافية تكفل لكل من الطرفين (المترجم والعميل) أن يجد ضالته، لأن مهنة الترجمة تفتقر إلى إطار قانوني راسخ ينظم حقوق كل طرف والتزاماته لدى الآخر. وغالباً ما تنشأ العلاقة بين المترجم والعميل وُدياً أو عبر الانترنت في عالم افتراضي بحت؛ وما إن يترتب لأحد الطرفين حقٌ على الطرف الآخر، يتعذر إقرار هذا الحق، فضلاً عن أن الترجمة علم خلافي، أي ليس من السهل أن نقطع برأي ما في عمل المترجم أو في نقد وكالة الترجمة لهذا العمل، في غياب طرف ثالث مُحايد يُعهد إليه بحسم ما ينشأ بينهما من نزاع.
ولا يسعنا إلا أن نوصي الطرفين بأن يلتزم كل منهما بمعايير أقرَّها العرف الذي أرساه المخضرمون ممن لهم باع في هذا الحقل. و نسقطها على واقعنا وتجاربنا كمترجمين نتلمس طريقنا نحو الاحتراف.
1- قبل أن تُرسِل ردَّك إلى العميل، فكِّر! تروَّ فيما تكتب قبل وبعد أن تكتبه! وإياك أن تقولَ في نفسك شعراً ورسالتك تنضح بأخطائك الهجائية واللغوية والأسلوبية (إن تراه يعجبك سمته، وإن سمعته قلت: ليته سكت).
2- لا تقبل مشروعاً لست مؤهلاً له. جدير بك كمترجم يحترم مهنته أن ترفض من المشاريع ما لا يقع في نطاق اختصاصك أو ما ليست لك به خبرة كافية. لِمَ تقبل مشروعاً لترجمة المواصفات التقنية لمنتج ما وخبرتك لم تتجاوز ترجمة المواد الأدبية أو الدينية؟ ليس هناك ما يضطرك لترجمة عقد تأمين أو عقد توريد معدات، بينما نطاق اختصاصك أو خبرتك لم تتجاوز ترجمة المواد الإعلامية. ربما تخسر دراهم معدودة، ولكنك ستحظى بثقة العميل واحترامه اللذين لا يُقدَّران بمال. ورفضُك ترجمة مشروع تقني لا قِبَل لك به لا يعني حرمانك من ترجمة مشروع قانوني أنت أهل له. وإن كنت حديث عهد بتخصص ما، كترجمة العقود أو كراسات الشروط مثلاً، فاستعن بمراجع أو محرر خبير يُنقِّح ترجمتك وتنتفِع بما يبديه من ملاحظات عليها.
3- لا تقبل مشروعاً يستحيل إنجازه. ولا تخشى التفاوض مع العميل سائلاً إياه تمديد الإطار الزمني للمشروع، إن اقتضى الأمر. وإذا كان ضيقاً، طالب بما يعوِّضَك عما تبذله من جهد مُضاعف لتسليم المشروع، كأن تُزيد تسعيرتك مثلاً.
4- لا تتحرج من السؤال! إن كان بالمشروع ما يتعذر فهمه، استوضحه من العميل. ولنقل أنك وجدت مُصطلحاً أضناك البحث عنه بلا جدوى، فلِمَ لا تستوضح معناه من العميل؟ ولا ضير في أن نستعين بزملائنا من المخضرمين في فهم ما عمِي علينا من مصطلحات أو تراكيب لغوية.
5- لا تقبل مشروعاً قبل أن ترى نبذة منه! فقد يصف العميلُ المشروع قائلاً "إنه ترجمة تجارية"، وتجده في حقيقة الأمر طبياً أو تقنياً.
6- إياك والعميل المجهول! راجع بيانات الاتصال بالعميل! والحذر كل الحذر من أصحاب البريد الإلكتروني المجاني أو الوهمي، جي ميل أو ياهو أو غيرهما، فالعميل الذي ينؤ بتكاليف اقتناء موقعه الإلكتروني، لن يستطيع سداد مستحقاتك، أو ربما يتلكأ في قضائها. وما إن تطمئن لبيانات العميل وعنوان الشركة الإلكتروني والبريدي وأرقام هواتفه/فاكسه، تحقق من سلوكيات عميلك المهنية، مستعيناً بسجلات السلوك المهني/المالي للعملاء، كالقوائم البيضاء أو السوداء، وتجدها في موقع بروز دوت كوم أو ترانسليتورز كافيه أو غيرهما. وإذا لم تعثر على اسم عميلك/شركته مدرجاً في قوائم حَسَني/سيئي السير والسلوك، فلتسأل زملاءك النصيحة، ولن يبخلوا بها. وإن كان للعميل سابقتان في سؤ التعامل المهني/المالي مع زميل ما، أنصحك بألا تتعامل معه أبداً، وإن كان لابد، اطلب منه سداد مستحقاتك عن الترجمة قبل تسليمها (وإلا، فلا تلومن إلا نفسك).
7- اطلب من عميلك طلب الشراء (Purchase Order) مُذيَّلاً بتوقيعه أو حاملاً اسم شركته. وطلب الشراء وثيقة تقوم مقام العقد، بها بيانات المشروع وتسعيرة الترجمة وإجمالي المبلغ المُستحق للمترجم وموعد استحقاقه، وغير ذلك من تفاصيل عن المشروع قيد الترجمة. وهذا الإجراء يحميك من لدغات مصاصي دماء المترجمين، ناهيك عن أنه يُضفي عليك سمات الجدّ والالتزام.
8- لا تخُط كلمة في ترجمة المشروع إلا إذا اتفقت مع العميل على تسعيرة مُرضية. كم أطلب من العميل؟ اطلُب من العميل التسعيرة التي تليق بما لديك من خبرة وما تبذل من جهد في المشروع، فهناك مشاريع تنطوي على جهد إضافي غير ترجمتها، كالمشروعات التي تتضمن رسوماً غرافيكيةً أو ما كان على شاكلتها، وعندئذٍ لك أن تحدد تسعيرتك بالساعة نظير الجهد المُضاعف. وقد تتراوح تسعيرة الترجمة بين 4 سنت دولار للكلمة (أي 40 دولارًا للألف كلمة) وخمسة وعشرين سنت دولار للكلمة (أي 250 دولارًا للألف كلمة) أو بين سبعة دولارات حتى خمسين دولارًا للساعة. فالترجمة شأنها شأن غيرها من خدمات، سلعةٌ تُباع وتُشترَى، مع تحفظنا على قدسيتها في المقام الأول. ومثلما للذهب من يطيق سعره، فللفضة سوقها ومشتروها. وهي عرض وطلب، وشرائح من العملاء تتباين تباين الأبيض والأسود. فمن المترجمين من يرى أن سنتين للكلمة تكفلان حياة كريمة في اليمن مثلًا، ويقرُّ بهما عينًا، ومنهم من يعيش بالكاد على عشرين سنتًا في بريطانيا، ولله في خلقه شؤون.
9- لا تبِخس حقك. بيِّن مزاياك بصفتك لغوي جدير بالثقة والاحترام، دون تفريط أو إسفاف. تعلَّم أن تُجيد، وجوِّد ما تتعلم.
10- احتفظ بما تبادلت مع عملائك من مراسلات، بل بكل عقد أو طلب شراء أو ملف ترجمته أو نقحته، فقد تحتاج إليه يوما.